الصليب في فكر بولس الرسول

بولس الرسول أو شاول الطرسوسي، تلك الشخصية اليهودية المتزمِّتة التي تلتهب غيرة على الناموس، ولا يتوانى عن الاقدام على الاجرام كي يرضي ضميره من أجل حماية الناموس الذي كان كل حياته، وكأنّـي به وهو الحقوقي،ورجل القانون المتحمِّس المُتشدِّد يقول: لي الحياة هي الناموس. ولا عجب في ذلك فشاول هذا رجل قانون وحقوقي فذ عمل في مجال القانون وسن وتعديل النواميس الرومانية وهو يرى أمام ناظريه النواميس تنهار دون أيِّ عنف او انقلاب والقوانين تتبدَّل بفعل إيمانٍ خفي يخالف معتقداته القويمة. لذلك يتطوَّع لتعقّب المسيحيين للقضاء عليهم لكونهم ـ حسب رأيه آنذاك ـ
قد خالـفوا النامـوس وتمرَّدوا على القانون. وإذا بـه يغدو على حين غرَّة ـ عندما عندمـا عرف حقيقة المسيح ـ بولس الذي يضع كلَّ امكانياته الهائلة تحت أقدام المسيح ويقول:

يارب ماذا تريد أنْ أفعل ؟ (أع 9 :6)

فيصـير منذ هذه اللحظة شخصية مسيحية رسولية فـذَّة..
انقلبتْ غيرته العمياء إلى غيرة عقلانية إيمانية مبدئية، وتراه يتحدَّث عن الصليب الذي هيمن كلِّيـاً على وجدانه، ويُفـكِّر فيه وفي قيمته الحقيقيـة، بل نستطيع أنْ نقول أنَّ بولس لـمْ تهتز مشاعره لشيء مثلمـا اهتـزَّتْ للصليب ومشهد الصليب .كمـا أثاره مشهد المسيح وهو مُعلَّقٌ على خشبة، فقد رأى فيه لُبَّ الحقيقة وأسمى معاني الحكمة وذروة التضحية. بل رآه مفتاح قلب الله وحبِّه الذي تجسَّد أمـام أنظار العـالم.
فبولس يعلم أنَّه ملعونٌ من عُـلِّق على خشبة وهذا بحكم الناموس إذْ لا بدَّ أنْ يكون مجرمـاً مدانـاً بحق الناموس أو الإنسـان. أمَّـا أنْ يُعلَّق شخص بار بريء وبشكلٍ إرادي تحت هدف سامٍ فهذا حقَّاً أمرٌ يستحقُّ كلَّ اجلال وإكبار، لأنَّ صلبه لم يكن نتيجة خطيئة ارتكبها ولا ذنب اقترفه. ولكن لكي لا يهلك بخطيئته كلُّ من يؤمن به.
لقد رأى في الصليب ثمنـاً لشراء الله للإنسـان وتحريره واعادته إلى مجده القديم، وأدرك بولس أنَّ الصليب مـا كان ليكون لو لم تكن للإنسان قيمة عظمى، وكرامة فـائقة وحبٌّ أزلي عند الله، ولولا هذا لمـا ألهب مشهد الصليب عواطفه فقال:

ابن الله الذي أحبَّني وأسلم نفسه لأجلي (غل 2: 20).

فكم هي إذاً قيمة الإنسان عند الله عظيمة حتى يُعلِّقَ ابنه على خشبة من أجله، لكي يغفر له خطيئتـه. وهكذا يكون الصليب هو الوسيلة الوحيدة للمغفرة. قال بولس:

الذي لنـا فيه الفداء بدمه غفران الخطايأ (في 1: 7).

وبذلك جعل بولص الصليب حجر الآساس للسلام والمصالحة مع الله بقوله:

إذْ قد تبررنا بالإيمان لنـا سلام مع الله بربِّنا يسوع المسيح (رو 5: 1).

وأجمل وصفٍ قاله بولس عن الصليب:

إنَّـه قـاتل العداوة (افي2:16).

وليس هذا فحسب ، بل أنَّ المسيح بموته على الصليب أصبح مثالاً لنـا لكي يغفر بعضنـا لبعض:

كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كمـا سامحكم الله ايضاً فـي المسيح (في4: 32).

وبالنسبة لبولس فقد كان الصليب ومـا عاناه المسيح من الآلام حـافزاً قويَّـاً لاحتماله الآلام والضيق من أجله، فقال:

علينـا أنْ نُلْقِي كلَّ ثقل وكلَّ خطيئةٍ عالقةٍ بنـا فنجري في ميدان الجهاد الممتد أمـامنا، نـاظرين إلى رأس إيماننا ومكمِّله يسوع الذي تحمَّل الصليب مُستخفَّـاً بالعار (عب12:2).

ومن هنا كانت لبولس نظرة خاصة إلى الصليب تختلف عن نظرة اليهود والأمم له حيث قال:

لئن كان الصليب لليهود عثرة وللأُمم غباوة (كو1:23).

بيد أنَّ بولس يراه مجـداً وفخراً ومصدر اعتزازٍ شديد، ويرى الأغبياء هم الذين لا يريدون أن يعرفوا أنَّ الصليب هو حكمة الله وقوَّتـه.
وقد اختبر بولس بنفسه قوَّة الصليب، لذلك رسم الصليب أمـام أنظار أهـل علاطية في مستهل رسالته إليهم، ثـمَّ أقام لهم الدليل على أنَّ قوة الصليب تمخَّضتْ عن الخلاص، حيث أنقذتْ البشرية من خطاياها:

فبعد أنْ كنَّـا أبنـاء الغضب كـالباقيـن، بـل أمواتـاً في الخطايـا، صيَّرتْنـا هذه القوَّة أبنـاء الله بالنعمة..

ولهذا فقد صار الصليب موضع فخره واعتزازه، حتَّى إنَّـه لم يعد يرى شيْئاً يستحق الفخر مثل الصليب ولذا نراه يهتف:

حاشا لي أنْ أفخر إلاَّ بصليب ربِّنـا يسوع المسيح (غل6 14).

بل لم يعد يريد أنْ يعرف شيئاً آخر في الكنيسة سوى يسوع المسيح وإيّـاه مصلوبـاً وإنَّ صورة الصليب هذه هي في نظره خير وسيلة للإيمان كمـا أوضح لأهل غلاطية قـائلاً:

أنتم الذين ارتسمتْ أمـام أعينهم صورة المسيح المصلوب(غل3:1).

وذلك لكونها صورة الفداء والعطاء الذي لا ينضب.


* ـ عن محاضرة لنيافة مار غريغوريوس صليبـا مطران الموصل وتوابعهـا أُلقيتْ في الموسم الثقافي عام 1993.
* ـ نشرتْ هذه المقالة في مجلَّة الينبوع القبطية ـ فرانكفورت ـ ألمانيا ـ. العدد الثاني لعام 1995.